Call us now:

مقدمة
شكلت مسألة حبس المدين في النظام القانوني الأردني محور تطور تشريعي وجدل قضائي خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تعديل قانون التنفيذ الأردني رقم (25) لسنة 2007 بموجب القانون المعدل رقم (9) لسنة 2022. وقد ركزت هذه التعديلات على حماية حرية المدينين من الحبس بسبب الالتزامات التعاقدية، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان، لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
أولاً: النص التشريعي الأساسي – قانون التنفيذ الأردني المعدل
تم تعديل المادة (22) من قانون التنفيذ الأردني لتصبح واضحة في منع حبس المدين عن الالتزامات التعاقدية، باستثناء بعض الالتزامات الخاصة. ونصت المادة بعد تعديلها على ما يلي:
“لا يجوز حبس المدين إذا عجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي، مع مراعاة الاستثناءات الواردة في هذا القانون، وأبرزها الالتزامات الناشئة عن عقود إيجار العقار وعقود العمل.”
– المادة 22/1/هـ، قانون التنفيذ الأردني المعدل رقم (9) لسنة 2022.
ويؤكد هذا النص اتجاه المشرع نحو حماية الحرية الشخصية للمدين ومنع استخدام الحبس كعقوبة تلقائية لمجرد إخفاقه في الوفاء بالتزام مالي ناشئ عن عقد.
ثانياً: الإقرار الموثق أمام كاتب العدل – الإشكالية القانونية
ينظم القانون الأردني الإقرارات الموثقة أمام كاتب العدل على أنها سندات تنفيذية وفق أحكام المواد (14 و15) من قانون التنفيذ، بحيث يمكن للدائن مباشرة إجراءات التنفيذ دون رفع دعوى أمام المحكمة.
ظهرت إشكالية قانونية جوهرية تتعلق بما إذا كان الإقرار الموثق أمام كاتب العدل يمنح القاضي صلاحية حبس المدين، أم أنه لا يغير من طبيعة الالتزام التعاقدي ويظل خاضعًا لحظر الحبس الوارد في المادة 22 المعدلة.
ثالثاً: الاجتهاد القضائي الابتدائي
في قرار محكمة تنفيذ جنوب عمّان رقم 147/2025 بتاريخ 15/8/2025:
- حكمت المحكمة بحبس مدين وكفيله لمدة 60 يومًا استنادًا إلى إقرار موثق أمام كاتب العدل بمبلغ دين محدد.
- اعتبرت المحكمة أن الإقرار يشكل سندًا تنفيذيًا مستقلًا يجيز الحبس، بغض النظر عن النصوص المعدلة في قانون التنفيذ.
هذا الحكم أثار جدلًا قانونيًا واسعًا، إذ رأى بعض الفقه أن هذا التكييف يخرج عن روح المادة 22 المعدلة ويعيد العمل بحبس المدين بطريقة غير مباشرة.
رابعاً: موقف محكمة الاستئناف – القرار رقم 89/2025
نظرت محكمة الاستئناف الأردنية في قراراها رقم 89/2025 في الطعن المقدم، وأصدرت حكمًا في 3/10/2025 قضى بما يلي:
- فسخ حكم حبس المدين وكفيله الصادر عن محكمة التنفيذ.
- تأكيد أن الإقرار الموثق أمام كاتب العدل لا يغير طبيعة الالتزام التعاقدي ولا يجيز الحبس استنادًا إليه.
- إعادة التأكيد على أن حظر حبس المدين وفق المادة 22/1/هـ يشمل جميع الالتزامات التعاقدية، بما في ذلك تلك المثبتة بالإقرار الموثق، ولا يستثنيها إلا صراحة فيما يتعلق بعقود الإيجار وعقود العمل.
أسباب القرار:
- الطبيعة القانونية لمصدر الالتزام أهم من شكل الإثبات أو السند التنفيذي.
- النص القانوني واضح ولا يستثني الإقرارات الموثقة من حظر الحبس.
- منع التحايل على روح القانون وحماية حرية المدين.
خامساً: الآثار القانونية والعملية
تترتب على هذا القرار مجموعة من الآثار العملية:
- ثبات مبدأ عدم جواز حبس المدين في الالتزامات التعاقدية حتى لو ثبت الدين بإقرار موثق لدى كاتب العدل.
- استخدام وسائل تنفيذ بديلة لتحصيل الدين، مثل:
- الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة.
- الحجز على الحسابات البنكية.
- المنع من السفر.
- الحجز على الأسهم أو الحصص في الشركات.
- تطبيق الاستثناءات الصريحة فقط: عقود الإيجار وعقود العمل، دون توسيع نطاقها لتشمل الإقرارات الموثقة.
سادساً: التحليل الأكاديمي
- يمثل القرار توازنًا بين حماية حقوق الدائنين وضمان حرية المدين.
- يؤكد التمييز بين مصدر الالتزام القانوني (العقد) وشكل الإثبات (الإقرار الموثق)، وهو مبدأ أساسي في الاجتهاد المدني.
- يحقق انسجامًا بين روح تعديل المادة 22 ومبادئ حماية حقوق الإنسان، ويقيد استخدام الحبس كأداة تنفيذية خارج نطاق النص القانوني.
خاتمة
- المادة 22 من قانون التنفيذ الأردني المعدل رقم 9 لسنة 2022 حددت بوضوح منع حبس المدين عن الالتزامات التعاقدية باستثناء عقود الإيجار والعمل.
- قرار محكمة الاستئناف رقم 89/2025 أكد أن هذا الحظر يشمل الإقرارات الموثقة أمام كاتب العدل، مما يرسخ قاعدة قانونية مهمة في حماية المدين.
- الاتجاه القضائي الحالي يعكس وضوح النص التشريعي وروح القانون، ويوازن بين حماية الحرية الشخصية وفعالية آليات التحصيل المدني.
المراجع القانونية
- قانون التنفيذ الأردني رقم (25) لسنة 2007.
- القانون المعدل رقم (9) لسنة 2022، تعديل المادة (22).
- محكمة تنفيذ جنوب عمّان – القرار رقم 147/2025.
- محكمة الاستئناف الأردنية – القرار رقم 89/2025.
- المواد (14 و15 و22) من قانون التنفيذ الأردني.